فخر الدين الرازي

172

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ربع بذكر الاستدلال بأحوال النبات ، ثم خمس بذكر الاستدلال بأحوال العناصر الأربعة ، وهذا الترتيب في غاية الحسن . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : النوع الأول : من الدلائل المذكورة على وجود الإله الحكيم الاستدلال بأحوال السماوات والأرض فقال : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الأنعام : 1 ] إن لفظ الخلق من كم وجه يدل على الاحتياج إلى الخالق الحكيم ، ولا بأس بأن نعيد تلك الوجوه هاهنا فنقول : الخلق عبارة عن التقدير بمقدار مخصوص ، وهذا المعنى حاصل في السماوات من وجوه : الأول : أن كل جسم متناه فجسم السماء متناه ، وكل ما كان متناهيا في الحجم والقدر ، كان اختصاصه بذلك القدر المعين دون الأزيد والأنقص امرا جائزا ، وكل جائز فلا بد له من مقدر ومخصص ، وكل ما كان مفتقرا إلى الغير فهو محدث . الثاني : وهو أن الحركة الأزلية ممتنعة ، لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير ، والأزل ينافيه فالجمع بين الحركة والأزل محال . إذا ثبت هذا فنقول : إما أن يقال أن الأجرام والأجسام كانت معدومة في الأزل ، ثم حدثت أو يقال إنها وإن كانت موجودة في الأزل إلا أنها كانت ساكنة ثم تحركت . وعلى التقديرين فلحركتها أول ، فحدوث الحركة من ذلك المبدأ دون ما قبله أو ما بعده خلق وتقدير ، فوجب افتقاره إلى مقدر وخالق ومخصص له . الثالث : أن جسم الفلك مركب من أجزاء بعضها حصلت في عمق جرم الفلك وبعضها في سطحه ، والذي حصل في العمق كان يعقل حصوله في السطح وبالعكس ، وإذا ثبت هذا كان اختصاص كل جزء بموضعه المعين أمرا جائزا فيفتقر إلى المخصص والمقدر ، وبقية الوجوه مذكورة في أول سورة الأنعام . واعلم أنه سبحانه لما احتج بالخلق والتقدير على حدوث السماوات والأرض قال بعده : تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ والمراد أن القائلين بقدم السماوات والأرض كأنهم أثبتوا للّه شريكا في كونه قديما أزليا فنزه نفسه عن ذلك ، وبين أنه لا قديم إلا هو ، وبهذا البيان ظهر أن الفائدة المطلوبة من قوله : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ يونس : 18 ] في أول السورة غير الفائدة المطلوبة من ذكر هذه الكلمة هاهنا ، لأن المطلوب هناك إبطال قول من يقول : إن الأصنام تشفع للكفار في دفع العقاب عنهم ، والمقصود / هاهنا إبطال قول من يقول : الأجسام قديمة ، والسماوات والأرض أزلية ، فنزه اللّه سبحانه نفسه عن أن يشاركه غيره في الأزلية والقدم واللّه أعلم . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 4 ] خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 4 ) [ في قوله تعالى خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ ] اعلم أن أشرف الأجسام بعد الأفلاك والكواكب هو الإنسان ، فلما ذكر اللّه تعالى الاستدلال على وجود الإله الحكيم بأجرام الأفلاك ، أتبعه بذكر الاستدلال على هذا المطلوب بالإنسان . واعلم أن الإنسان مركب من بدن ونفس ، فقوله تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ إشارة إلى الاستدلال ببدنه على وجود الصانع الحكيم ، وقوله : فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ إشارة إلى الاستدلال بأحوال نفسه على وجود الصانع الحكيم . أما الطريق الأول : فتقريره أن نقول : لا شك أن النطفة جسم متشابه الأجزاء بحسب الحس والمشاهدة ،